الغزالي

19

إحياء علوم الدين

ويغرى أحدهما بالآخر ، ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه . والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره ، بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة ، ونوره المشرق الواضح ، وأن يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه ، إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ، ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه ويجعل الكلب مقهورا تحت سياسته . فإن فعل ذلك وقدر عليه ، اعتدل الأمر ، وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم . وإن عجز عن قهرها ، قهروه واستخدموه ، فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع الخنزير ، ويرضى الكلب ، فيكون دائما في عبادة كلب وخنزير ، وهذا حال أكثر الناس مهما كان أكثر همتهم البطن والفرج ومنافسة الأعداء والعجب منه أنه ينكر على عبدة الأصنام عبادتهم للحجارة ، ولو كشف الغطاء عنه ، وكوشف بحقيقة حاله ، ومثل له حقيقة حاله ، كما يمثل للمكاشفين إما في النوم أو في اليقظة ، لرأى نفسه ماثلا بين يدي خنزير ، ساجدا له مرة ، وراكعا أخرى ، ومنتظرا لإشارته وأمره ، فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهواته ، انبعث على الفور في خدمته ، وإحضار شهوته . أو رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور ، عابدا له ، مطيعا سامعا لما يقتضيه ويلتمسه ، مدققا بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته . وهو بذلك ساع في مسرة شيطانه ، فإنه الذي يهيج الخنزير ويثير الكلب ، ويبعثهما على استخدامه ، فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما فليراقب كل عبد حركاته وسكناته ، وسكوته ونطقه ، وقيامه وقعوده ، ولينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعيا طول النهار في عبادة هؤلاء ، وهذا غاية الظلم ، إذ جعل المالك مملوكا ، والرب مربوبا ، والسيد عبدا ، والقاهر مقهورا . إذ العقل هو المستحق للسيادة والقهر والاستيلاء ، وقد سخره لخدمة هؤلاء الثلاثة ، فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه ، حتى يصير طابعا ، ورينا مهلكا للقلب ومميتا له . أما طاعة خنزير الشهوة ، فيصدر منها صفة الوقاحة والخبث ، والتبذير والتقتير ، والرياء والهتكة ، والمجانة والعبث ، والحرص والجشع ، والملق والحسد ، والحقد والشماتة وغيرها